فخر الدين الرازي
357
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النعم ، فلو قال : بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب ، وفي لفظ الرب عادة جارية وهي أنه لا يترك استعماله مع الإضافة . فالعبد يقول : ربنا اغفر لنا ، ورب اغفر لي ، واللّه تعالى يقول : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ * [ الدخان : 8 ] و رَبِّ الْعالَمِينَ * [ الفاتحة : 2 ] وحيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف اللفظ ، حيث قال تعالى : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [ سبأ : 15 ] وقال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] ولفظ الرب يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى التربية ، يقال : ربه يربه ربا مثل رباه يربيه ، ويحتمل أن يكون وصفا من الرب الذي هو مصدر بمعنى الراب كالطب للطبيب ، والسمع للحاسة ، والبخل للبخيل ، وأمثال ذلك لكن من باب فعل ، وعلى هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أي فعل الذي للغريزي كما يقال فيما إذا قلنا : فلان أعلم وأحكم ، فكان وصفا له من باب فعل اللازم ليخرج عن التعدي . المسألة السادسة : الْجَلالِ إشارة إلى كل صفة من باب النفي ، كقولنا : اللّه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، ولهذا يقال : جل أن يكون محتاجا ، وجل أن يكون عاجزا ، والتحقيق فيه أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها في القوة ، والجلال في الفعل ، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف فجل أن يسعه كل فرض معقول : وَالْإِكْرامِ إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات ، كقولنا : حي قادر عالم ، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل السنة ، وعند المعتزلة من باب النفي ، وصفات باب النفي قبل صفات باب الإثبات عندنا ، لأنا أولا نجد الدليل وهو العالم فنقول : العالم محتاج إلى شيء وذلك الشيء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا محتاج ، ولا ممكن ، ثم نثبت له القدرة والعلم وغيرهما ، ومن هنا قال تعالى لعباده : لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ * [ الصافات : 35 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » ونفي الإلهية عن غير اللّه ، نفى صفات غير اللّه عن اللّه ، فإنك إذا قلت : الجسم ليس بإله لزم منه قولك : اللّه ليس بجسم و ( الجلال والإكرام ) وصفان مرتبان على أمرين سابقين ، فالجلال مرتب على فناء الغير والإكرام على بقائه تعالى ، فيبقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من عداه وما عداه ، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد ، وقرئ : ذُو الْجَلالِ ، و ذِي الْجَلالِ . وسنذكر ما يتعلق به في تفسير آخر السورة إن شاء اللّه تعالى . / ثم قال تعالى : [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 29 إلى 30 ] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) وفيه وجهان أحدهما : أنه حال تقديره : يبقى وجه ربك مسؤولا وهذا منقول معقول ، وفيه إشكال وهو أنه يفضي إلى التناقض لأنه لما قال : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض ، فكيف يكون في ذلك الوقت مسؤولا لمن في الأرض ؟ فأما إذا قلنا : الضمير عائد إلى [ الأمور ] الجارية [ في يومنا ] فلا إشكال في هذا الوجه ، وأما على الصحيح فنقول عنه أجوبة أحدها : لما بينا أنه فان نظرا إليه ولا يبقى إلا بإبقاء اللّه ، فيصح أن يكون اللّه مسؤولا ثانيها : أن يكون مسؤولا معنى لا حقيقة ، لأن الكل إذا فنوا ولم يكن وجود إلا باللّه ، فكأن القوم فرضوا سائلين بلسان الحال ثالثها : أن قوله : وَيَبْقى للاستمرار فيبقى ويعيد من كان في الأرض ويكون مسؤولا والثاني : أنه ابتداء كلام وهو أظهر وفيه مسائل :